خليل الصفدي
416
أعيان العصر وأعوان النصر
عليه ثوب شحوب ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - يوم الأحد السادس عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ، وصلّى عليه الظهر بالجامع الأموي ، ودفن في مقابر الباب الصغير ، وكانت جنازته حافلة ، وتوفي بدمشق بداره بالعادلية الصغيرة بعد مرضة طويلة ، عوفي منها ثم انتكس . وسألته عن مولده فقال : في سنة إحدى وتسعين وستمائة . واجتمعت به غير مرة ، وكان ظريفا ولطيفا ، وكان قد حجّ بعض حجاته وجاور ، ولما حضر كتبت له توقيعا بإعادة نظر الدولعية وتدريسها إليه ، وهو : رسم بالأمر العالي أعلاه تعالى لا زال يرتفع به العلم الشريف إلى فخره ، ويعيده إلى خير حبر تقبس الفوائد من نوره ، وتغترف من بحره ، ويجمل الزمان بمن هو علم عصره وفخر مصره ، أن يعاد المجلس العالي القضائي الشيخي الفخري إلى كذا وكذا ، وضعا للشيء في محله ، ورفعا للوبل على طله ، ودفعا لسيف النظر إلى يد هي مألف هزه وسله ، ومنعا لشعب مكة أن ينزله غير أهله ، إذ هو لأصحاب الشافعي رضي اللّه عنه حجة ، ولبحر مذهبه الزاخر لجة ، ولأهل فضله الذين يقطعون مفاوزه بالسرى صبح وبالمسير محجة ، طالما ناظر الأقران فعدّلهم ، وجادل الخصوم في حومة البحث فجدلهم وجدلهم . كم قطع الشبهات بحجج لا يعرفها السيف ، وأتى بوجه ما رأى الروياني أحلى منه في أحلام الطيف ، ودخل باب علم فتحه القفال لطالب نهاية المطلب التبري ، وارتوى من معين ورد عين حياته الخضري ، وتمسّك بفروع صح سبكها ، فقال ابن الحداد « 1 » : هذا هو الذهب المصري ، وأوضح المغالط بما نسف به جبال النسفي ، وروى أقوال أصحاب المذهب بحافظة يتمناها الحافظ السلفي . كما جاور بين زمزم والمقام ، وألقى عصا سفره لما رحل الحجيج وأقام ، وكم طاب له القرار بطيبة ، وعطر بالإذخر والجليل ردنه وجيبه ، وكم استروح بظل نخلها والسمرات ، وتملى بمشاهد الحجرة الشريفة وغيره ، يسفح على قرب تربها العبرات ، وكم كتب له بالوصول وصول ، وبث شكواه فلم يكن بينه وبين الرسول رسول ، لا جرم إنه عاد ، وقد زاد وقارا ، وآب بعد ما غاب ليلا ، فتوضح شيبه نهارا . فليباشر ما فوض إليه جريا على ما ألف من إفادته ، وعهد من رياسته لهذا العصابة وسيادته ، وعرف من زيادة يومه على أمسه ، فكانت كنيل بلاده لا يتعجب من زيادته ، حتى يحيي بدرسه ما درس ، ويثمر عود الفروع فهو الذي أنبته بهذه المدرسة وغرس ،
--> ( 1 ) ابن الحداد هو : محمد بن أحمد بن محمد بن الحداد الشافعي ، توفي سنة 344 ه . ( انظر : سير أعلام النبلاء : 15 / 445 ) .